ابن الجوزي
302
زاد المسير في علم التفسير
عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ( 43 ) قوله تعالى : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) كان عليه السلام قد أذن لقوم من المنافقين في التخلف لما خرج إلى تبوك ، قال ابن عباس : ولم يكن يومئذ يعرف المنافقين . قال عمرو بن ميمون : اثنتان فعلهما رسول الله ولم يؤمر بهما : إذنه للمنافقين ، وأخذه الفداء من الأسارى ، فعاتبه الله كما تسمعون . قال مورق : عاتبه ربه بهذا . وقال سفيان بن عيينة : انظر إلى هذا اللطف ، بدأه بالعفو قبل أن يعيره بالذنب . وقال ابن الأنباري : لم يخاطب بهذا لجرم أجرمه ، لكن الله وقره ورفع من شأنه حين افتتح الكلام بقوله [ تعالى ] : ( عفا الله عنك ) كما يقول الرجل لمخاطبة إذا كان كريما عليه : عفا الله عنك ، ما صنعت في حاجتي ؟ ورضي الله عنك ، هلا زرتني . قوله تعالى : ( حتى يتبين لك الذين صدقوا ) فيه قولان : أحدهما : أن معناه : حتى تعرف ذوي العذر في التخلف ممن لا عذر له . والثاني : لو لم تأذن لهم لقعدوا وبان لك كذبهم في اعتذارهم . قال قتادة : ثم إن الله تعالى نسخ هذه الآية بقوله [ تعالى ] : ( فائذن لمن شئت منهم ) . لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين ( 44 ) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ( 45 ) قوله تعالى : ( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله ) قال ابن عباس : هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود . قال الزجاج : أعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان . فصل وروي عن ابن عباس أنه قال : نسخت هذه الآية بقوله [ تعالى ] : ( لم يذهبوا حتى يستأذنوه . . ) إلى آخر الآية . قال أبو سليمان الدمشقي : وليس للنسخ هاهنا مدخل ، لإمكان العمل بالآيتين ، وذلك أنه إنما عاب على المنافقين أن يستأذنوه في القعود عن الجهاد من غير عذر ، وأجاز للمؤمنين الاستئذان لما يعرض لهم من حاجة ، وكان المنافقون إذا كانوا معه فعرضت